أبي منصور الماتريدي

62

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ولأن « 1 » عدة الوفاة لم تلزم لوطء متقدم ؛ ألا ترى أنها قد تلزم من لم يكن زوجها من أهل الوطء ، وأما عدة الحبل والحيض ، إنما لزمت لوطء « 2 » متقدم ، وإذا لم تكن عدة الوفاة من جنس العدة بالحبل ، لم تدخل في عدة الحبل فلا نوجب فيها الاحتياط ، وذلك في الاعتداد بأبعد « 3 » الأجلين . ثم التخصيص بذكر الإنفاق على الحوامل يحتمل أن يكون بمعنى أنها في الحقيقة لا تدخل في قوله : لا تُخْرِجُوهُنَّ ؛ لأنا قد وصفنا أنها إنما نهيت ؛ لتحصين ماء الزوج ، وإذا مضت تسعة أشهر ، فقد خرجت عن التحصين ، فكان الواجب أن تسقط النفقة بعد التسعة ، لكن الله تعالى حث على الإنفاق في جميع المدة ؛ لأنها لا محالة إنما بقيت في هذه المدة ؛ لوطئه المتقدم ؛ فلذلك حث الله تعالى في الإنفاق على الحوامل فيما يقع عندنا ، والله أعلم . وأما ابن مسعود - رضي الله عنه - فإنه يجوز أن يكون قوله - تعالى - : وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ عنده مبتدأ خطاب ، ليس بمعطوف على قوله : وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ ؛ لأنا نعلم أنه لا يجوز أن يقع الارتياب فيمن تحتمل القروء ؛ وذلك لأن الأشهر في الآيسات إنما أقيمت مقام الأقراء في ذوات الحيض ، وإذا كانت الحامل ممن تحتمل القروء لم يجز أن يقع لهم شك في عدتها ؛ ليسألوا عن عدتها . وإذا كان كذلك ، ثبت أنه خطاب مبتدأ ، وإذا كان خطابا مبتدأ تناول العدد كلها ، ومما يدل على أنه مبتدأ خطاب ما روي في خبر سبيعة بنت الحارث الأسلمية : أنها وضعت بعد وفاة زوجها بخمس عشرة ليلة ، فأمرها رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أن تتزوج ؛ فدل إباحته النكاح قبل مضي أربعة أشهر وعشر على أن عدة الحامل تنقضي بوضع الحمل في جميع الأحوال . وقال الحسن : إن الحامل إذا وضعت أحد الولدين ، انقضت عدتها ، واحتج بقوله : أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ « 4 » ، ولم يقل : « أحمالهن » ؛ ولكن لا يستقيم ما قاله ؛ لوجهين أحدهما : أنه قرأ في بعض القراءات أن يضعن أحمالهن . والثاني : أنه قال : أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ، ولم يقل : « يلدن » ، بل علق بوضع حملهن ، والحمل « 5 » اسم لجميع « 6 » ما في بطنهن ، ولو كان كما قاله ، لكان عدتهن بوضع

--> ( 1 ) في ب : وأن . ( 2 ) في أ : الوقت . ( 3 ) في ب : بأحد . ( 4 ) أخرجه عبد الرزاق بنحوه عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 361 ) . ( 5 ) في أ : والحامل . ( 6 ) في ب : بجميع .